سيف الدين الآمدي

123

أبكار الأفكار في أصول الدين

وعلى هذا : فلا يلزم من كون القرآن لم يظهر كونه معجزا بالنظر إلى أحد ما بيناه من وجوه الاعجاز أن لا يكون معجزا بالنظر إلى جملتها ، أو جملة منها . فإنا قد نجد بعض القادرين يقوى على البلاغة في النثر دون النظم . والبعض يقوى على النظم . دون البلاغة في النثر ، وما لزم من كون كل واحد بانفراده مقدورا ؛ أن يكون الجميع مقدورا ، ولا أن ما ثبت للأفراد ؛ يكون ثابتا للجملة . قولهم : لا نسلم أن وزن القرآن مخالف لأوزان العرب . إذ هو مشتمل على أوزان الشعر على ما قرروه . عنه جوابان : الأول : أن ما ذكروه من الآيات ليست موزونة إلا مع تغيير وتكلف من إشباع حركة ، أو حذف ، أو زيادة ، أو نقصان ، وعند ذلك فيخرج عن وزن القرآن ، ولا يعد قبله موزونا ، ولا شعرا . الثاني : أن ما ذكروه وإن كان بعضه موزونا على وزن الشعر ؛ غير أنه لا يعد شعرا ، ولا قائله شاعرا ؛ لأن الشّعر ما قصد وزنه وتناسبت مصاريعه ، واتحد / رويّه . وما ذكروه ليس كذلك ؛ بل هو من قبيل ما يقع للبلغاء على الشذوذ في سرد كلامهم ، وخطبهم ، وممن لا يعرف بالقدرة على وزن الشعر من الكلمات المترتبة كما لو قال السيد لعبده أغلق الباب ، واحضر لي طعامي . أو قال اسقني في الكوز ماء يا غلامي وما أشبه ذلك ؛ فإنه متزن ، ومن علم الشعر ، وعرف مذاهبه وأحاط بأعاريضه من الأدباء . لم يقض على ذلك بكونه شعرا ولا أن قائله شاعر . ولهذا قال الوليد بن « 1 » المغيرة بعد أن طالت محاولته لمعارضة القرآن ، وتوقع الناس منه ذلك : لقد عرضت هذا الكلام على خطب الخطباء ، وشعر الشعراء ؛ فلم أجده منهما . قولهم : وإن كان وزنه مخالفا لأوزان العرب ؛ فلا يمكن أن يكون معجزة بانفراده . مسلّم . ولكن لا يلزم أن لا يكون مع البلاغة ، والإخبار بالغيب معجزا كما سلف . وعلى هذا فقد يخرج الجواب عن قولهم إن بلاغته لا تكون معجزة . كيف وأن ما ذكروه في تقريره من الوجوه الخمسة باطل : - أما الوجه الأول : فإنه وإن التبست البلاغة بين قصار السور وغيرها من كلام البلغاء ؛ فلا يلزم الالتباس في المثاني ، والطوال منها .

--> ( 1 ) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم من زعماء قريش في الجاهلية ولد سنة 95 ق . ه سنة 530 م وعمر طويلا ، وأدرك الإسلام وهو شيخ هرم ؛ فعاداه وقاوم دعوته ونزل فيه قرآن يتلى فضحه وكشف أمره ، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر ، وهو والد سيف الله خالد بن الوليد - رضي اللّه عنه - ( الكامل لابن الأثير 2 / 26 والأعلام للزركلي 8 / 122 ) .